الجصاص
91
أحكام القرآن
يتيم قد وليه . وروى هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال : " هذه الآية يتهاون بها الناس ، وقال : هما وليان أحدهما يرث والآخر لا يرث ، والذي يرث هو الذي أمر أن يرزقهم ويعطيهم ، والذي لا يرث هو الذي أمر أن يقول لهم قولا معروفا ويقول هذا المال لقوم غيب أو لأيتام صغار ولكم فيه حق ولسنا نملك أن نعطي منه شيئا ، فهذا القول المعروف ، قال : هي محكمة وليست بمنسوخة " . فحمل سعيد بن جبير قوله : ( فارزقوهم ) على أنهم يعطون أنصباءهم من الميراث والقول المعرف للآخرين ، فكانت فائدة الآية عنده إن حضر بعض الورثة وفيهم غائب أو صغير أنه يعطى الحاضر نصيبه من الميراث ويمسك نصيب الغائب والصغير ، فإن صح هذا التأويل فهو حجة لقول من يقول في الوديعة " إذا كانت بين رجلين وغاب أحدهما أن للحاضر أن يأخذ نصيبه ويمسك المودع نصيب الغائب " ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، وأبو حنيفة يقول : " لا يعطي أحد المودعين شيئا إذا كانا شريكين فيه حتى يحضر الآخر " . وروى عطاء عن سعيد بن جبير : ( وقولوا لهم قولا معروفا ) قال : " يقول عدة جميلة إن كان الورثة صغارا ، يقول أولياء الورثة لهؤلاء الذين لا يرثون من قرابة الميت واليتامى والمساكين : إن هؤلاء الورثة صغار فإذا بلغوا أمرناهم أن يعرفوا حقكم ويتبعوا فيه وصية ربهم " . فحصل اختلاف السلف في ذلك على أربعة أوجه : قال سعيد بن المسيب وأبو مالك وأبو صالح : إنها منسوخة بالميراث . والثاني : رواية عكرمة عن ابن عباس وقول عطاء والحسن والشعبي وإبراهيم ومجاهد : أنها ثابتة الحكم غير منسوخة وهي في الميراث . والثالث ، وهو قول ثالث عن ابن عباس : أنها في وصية الميت لهؤلاء منسوخة عن الميراث ، وروي نحوه عن زيد بن أسلم ، قال زيد بن أسلم : " هذا شئ أمر به الموصي في الوقت الذي يوصي فيه " ، واستدل بقوله تعالى : ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا ) قال : يقول له من حضره اتق الله وصلهم وبرهم وأعطهم . والرابع : قول سعيد بن جبير في رواية أبي بشر عنه إن قوله : ( فارزقوهم منه ) هو الميراث نفسه ( وقولوا لهم قولا معروفا ) لغير أهل الميراث . فأما الذين قالوا إنها منسوخة فإنه كان عندهم على الوجوب قبل نزول الميراث ، فلما نزلت المواريث وجعل لكل وارث نصيب معلوم صار ذلك منسوخا . وأما الذين قالوا إنها ثابتة الحكم فإنه محمول عندنا على أنهم رأوها ندبا واستحبابا لا حتما وإيجابا ، لأنها لو كانت واجبة مع كثرة قسمة المواريث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم لنقل وجوب ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت المواريث لعموم الحاجة إليه ، فلما لم يثبت وجوب ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة دل ذلك على أنه استحباب ليس بإيجاب ، وما روي عن